خليل الصفدي
302
أعيان العصر وأعوان النصر
تاللّه ما دار كأس من بلاغته * عليّ إلّا أهزّ العطف نشوانا له عبارات نظم كلّما سحبت * ذيولها أعثرت في الحال سحبانا مثل العيون الّتي في طرفها حور * قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا فالنّاس في حلب حلّت بهم بهم * وأصبح القوم خرسا في خراسانا فلا يرع لكم سرب بحادثة * ولا رأى شأنكم خطب ، ولا شانا ولا يكدّر لكم شرب بنازلة * ولا حدت لكم الأحداث أضغانا تحفّكم بركات من تقاه فقد * أخذتم منه حرزا من سليمانا يقبل الأرض ، وينهى ما عنده من الألم لهذه النازلة ، والقلق لهذه الرزية التي جعلت الدموع هامية هاملة ، والجزع لهذه الحادثة التي تركت الجوانح حامية ، فليت القوى لو كانت حاملة إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [ البقرة : 156 ] ، قول من فقد جماله ، وعدم صبره واحتماله ، وفجعه الدهر بواحدة ، الذي ما رأت عينه مثاله ، فرحم اللّه ذلك الوجه الجميل ، وقدّس تلك السريرة التي كان الصفاء لها ألزم زميل ، وما بقي غير الأخذ فيما وقع بالسّنة ، والصبر على فقد من أثار النار في الفؤاد وسكن الجنّة ، وقد جهز المملوك هذه القصيدة ، التي يسبح نونها من الهم في يمّ ، ويشرح في هذا المأتم ما تم ، فكتب هو الجواب إليّ عن ذلك : يقبل الأرض وينهى ، ورود المثال الشريف يتضمن تعزي ، حسن لفظها ، وأثّر في القلوب وعظها ، وتعيّن تسطيرها في صحائف الأفكار ، وحفظها فوقف المملوك على محاسنها وأحاسنها ، وشملته من مكامنها بميامنها ، وتسلّى بما حوت من مفصل الرثاء ومجموعه ، وأسال من أجفانه دما بدل دموعه ، فيا لها من رزيّة عظمت فيها المآتم ، ومصاب كشفت حجبه السليمانية عن حزن له خاتم ، وتحقق المملوك من أثناء أبيات القصيدة النونية بركات ذي النون ، ونظر إلى نونها ، وقد غاص في بحر الفضائل ، فاستخرج درّه المكنون ، ولقد كتب المملوك جواب مولانا معترفا فيه بالتقصير ، مغترفا من منهل فضله الغزير ، وهو : جدّدت في القلب آلاما وأحزانا * أسالت الدّمع من جفنيّ طوفانا فاعجب لجفن يفيض الماء مدمعه * ومهجة تلتظي بالحزن نيرانا عزّيتنا في أبينا فاكتسبت به * أجرا ، وأوليتنا فضلا وإحسانا أكرم به من أب شاعت مناقبه * في النّاس ، واشتهرت بالجود إعلانا كم بات في ظلمات اللّيل منتصبا * في خدمة اللّه يقضي اللّيل يقظانا